لاهوت التحرير الإسلامي، ولمَ لا؟

من ظنّ أن النبي محمدًا (صلى الله عليه وسلم) لم يكن ثائرًا تحرريًا اجتماعيًا وعقديًا، فالأجدر به أن يعيد التفكير مرتين.
فكّرت في كتابة هذا المقال منذ سنوات عدة، بعد أن اطّلعت على «لاهوت التحرير» المسيحي الذي تعود جذوره إلى أمريكا اللاتينية والوسطى، والذي نشأ ردًّا على لامبالاة الكنيسة الكاثوليكية تجاه الفقراء والمقهورين والمحرومين، خصوصًا في تلك السنوات الدامية التي حكمت فيها الدكتاتوريات العسكرية بلا حساب وقُتل فيها مئات الآلاف، ولا سيما في أمريكا الوسطى، بينما لزمت الكنيسة الصمت.
ويمرّ العالمان الإسلامي والعربي بالحقبة نفسها، حيث حكمت الدكتاتوريات العسكرية عقودًا منذ نهاية الاستعمار؛ وعلى غرار الكنيسة الكاثوليكية، كانت المؤسسة الدينية الإسلامية الرسمية — ولا تزال — غير مبالية ببؤس مئات الملايين من المسلمين وشقائهم في أنحاء العالم الإسلامي.
نشأ لاهوت التحرير ردَّ فعل على الفقر والظلم الاجتماعي في المنطقة، حين كتب القسّ البيروفي غوستافو غوتييريز كتابه «لاهوت التحرير» عام 1971.
ولقيت هذه الحركة دعمًا من كثير من قادة الكنيسة الكاثوليكية، مثل ليوناردو بوف من البرازيل، وخون سوبرينو من إسبانيا، وخوان لويس سيغوندو من أوروغواي. أما الولايات المتحدة، بوصفها راعية تلك الدكتاتوريات العسكرية، فقد عارضت «لاهوت التحرير» واتهمته بأنه مستلهَم من «الماركسية»، فوقف الفاتيكان وواشنطن في الخندق نفسه.
ورأى الفاتيكان في «لاهوت التحرير» صراعًا بين المؤسسة السياسية والمؤسسة الدينية، ورفضه على لسان البابا يوحنا بولس الثاني بقوله: «إن فكرة المسيح بوصفه شخصية سياسية وثائرًا ومخرّبًا من الناصرة لا تتفق مع تعاليم الكنيسة».
غير أن الموقف تبدّل حين تناول «المجمع الفاتيكاني الثاني» لاهوت التحرير واعترف به في ميديلين بكولومبيا (1968) وبويبلا بالمكسيك (1979)، فمنحه شرعيةً رسّخت حضوره في أمريكا اللاتينية والوسطى. وبُعيد كلمات يوحنا بولس الثاني، أصدر قساوسة أمريكا اللاتينية ردًّا من عشرين صفحة أثّر في نتائج المؤتمر ومنح لاهوت التحرير شرعية كاملة. وقد رأى منظّرو لاهوت التحرير أن «رسالة يسوع كانت إحقاق العدل في العالم»، و«تفضيل التافهين والمهمّشين وغير المهمّين والمحتاجين والمحتقَرين والعُزّل». والبابا الحالي خرج من هذه المدرسة.
وفي الإسلام، القصة ليست مختلفة، إذ اصطفّت جميع المذاهب مع المؤسسات السياسية القائمة في زمانها، وما زالت تفعل حتى اليوم، مسوّغةً بأن مشيئة الله هي أن يعيش الناس في هذا البؤس.
ومن المؤسف حقًا أن قادة «المؤسسة الدينية» لا يرون في النبي محمد (صلى الله عليه وسلم) ثائرًا اجتماعيًا وعقديًا، وهو ما يجب الاعتراف به. فالثورة الاجتماعية التي أطلقها قبل 1400 عام يجب أن تستمر اليوم وفي المستقبل.
يجب أن يُنظر إلى النبي محمد (صلى الله عليه وسلم) بوصفه محرِّرًا أقام «مجتمعًا عادلًا» بتغييرات اجتماعية كثيرة كانت ولا تزال ثورية بكل المقاييس.
فقيادته ورؤيته والتزامه بالتغيير الاجتماعي هي التي أنهت فعليًا «عصر الجاهلية» في جزيرة العرب، مستخدمًا الدين الجديد أداةً للتغيير الاجتماعي، فعالج حقوق المعتقد والنوع الاجتماعي والتعليم والمسائل العِرقية وحلّ النزاعات، متقدمًا كثيرًا على حضارات عصره وأديانه.
وبينما يدعو كثير من «رجال الدين» اليوم إلى إعدام غير المؤمنين أو المتهمين بالإساءة إلى المقدّسات، تلا النبي (صلى الله عليه وسلم) قوله تعالى: «لا إكراه في الدين» (البقرة: 256)، مضيفًا أنه لا يجوز «إكراه ولا هدم لدور العبادة ولا إتلاف». وهي كلمات ضاعت اليوم.
وبينما احتاجت أمريكا نحو مئتي عام بعد الاستقلال لتمنح العبيد حريتهم الكاملة، عالج النبي المساواة العِرقية حين قال: «لا فضل لأبيض على أسود، ولا لأسود على أبيض إلا بالتقوى».
وعلى الرغم من أن الإسلام في ذاته لم يُلغِ الرق (وهي مسألة أثرتها مرارًا)، فإنه أرسى فكرة «أصل الحرية» وعالج المسألة حين جعل عتق الرقاب عبادةً وكفارةً للذنوب، وخصّص من الزكاة سهمًا «في الرقاب». وكانت هذه الأحكام في زمانها ثورية بالمقارنة مع وضع العبيد في الإمبراطوريتين اليونانية والبيزنطية.
وبينما تحارب المؤسسة الدينية في بعض الدول العربية والإسلامية التعليم، ولا سيما تعليم المرأة، فقد كان طلب العلم فريضةً وأولوية: «من أحسن تربية بناته وتعليمهنّ دخل الجنة». ولست أدري أيّ إسلام تعلّمه أمثال طالبان ومن يعارضون تعليم النساء؛ لكنه بالتأكيد ليس تعاليم محمد.
وبفضل هذه الأفكار الثورية في التعليم التي جاء بها النبي (صلى الله عليه وسلم)، بلغ الإسلام — قبل أن تستولي عليه «المؤسسة الدينية» — إنجازات عظيمة في العصر الذهبي، في العلوم والجبر والطب والفلك والفلسفة، وكلها أسهمت في النهضة الغربية. وهي إنجازات يحتاجها المسلمون حاجةً ماسّة إن قرّروا يومًا أنهم بحاجة إلى نهضة إسلامية جديدة.
وبينما ينتقد كثيرون في الغرب المسلمين والإسلام بسبب وضع المرأة، فإن محمدًا الثائر (صلى الله عليه وسلم) هو من منح المرأة اعترافًا ومكانةً بوصفها عضوًا متساويًا في المجتمع؛ فحرّم «قتل الشرف» و«وأد البنات»، ومنح المرأة حق الموافقة على الزواج، وحق امتلاك مالها الخاص حتى في أثناء الزواج (وهو حق نالته المرأة في الولايات المتحدة في منتصف السبعينيات)، وحق الاحتفاظ باسمها بعد الزواج (نالته الأمريكيات كذلك في منتصف السبعينيات)، وحق طلب الطلاق في حالات الإساءة، وحق الأرملة أو المطلَّقة في أن تقرر بنفسها الزواج من جديد، وبالطبع حقها في الميراث وفي النفقة لها ولأبنائها. نعم، هذه كانت أفكارًا ثورية في زمانها. وقد عُدّ الزواج «عقدًا» لا «حالة». فما الذي جرى، ولماذا توقف الأمر عند هذا الحد؟
وبحسب الباحث اليهودي برنارد لويس، فإن النبي محمدًا (صلى الله عليه وسلم) هو من ندّد بالأرستقراطية والامتياز، ورفض التراتبية القائمة على غير كفاءة، فكان الإسلام ثورةً مساواتيةً تشكّل أساس العقيدة الإسلامية.
ولم يكن يسيرًا إدخال كل هذه الأفكار الثورية في جزيرة العرب الوثنية، لكنه فعل. ولم يكتفِ النبي (صلى الله عليه وسلم) بإحداث إصلاحات اجتماعية شاملة، بل استخدم الدين الجديد لترسيخ مرجعية أخلاقية ومنظومة قيم اجتماعية تحفظ أمن الجماعة وسلامتها، فمنع العنف، وأرسى نظامًا للزكاة يخدم الصالح العام، إضافةً إلى دعم المجتمع وتسوية المنازعات وصون حقوق الأفراد، وأن كل امرئ مسؤول عن فعله.
فما الذي جرى إذن؟
على غرار تعدّد المذاهب داخل الكنيسة الكاثوليكية، كان للإسلام أيضًا «مذاهبه» أو مدارسه الفقهية؛ بعضها قائم على «الحديث» أو «الأثر»، وبعضها على «الرأي»، وبعضها على «العقيدة» بين القدر وحرية الاختيار، وبعضها على «العقل/الرشد». وهذا الأخير لا نرى له اليوم أثرًا ولا نسمع له صوتًا.
غير أن هذه «المذاهب» جميعًا لم تكن مستقلة استقلالًا كافيًا عن حكّام عصرها، وكانت في معظم الأحيان — كما هي الحال اليوم — تُستخدم لدعم الحاكم، عادلًا كان أم جائرًا. ولنتذكر جميعًا نشأة الكنيسة الأنغليكانية استجابةً لمطالب هنري الثامن.
وهناك خمسة مذاهب، إذ يعترف معظم السنة بأربعة ويتجاهلون الخامس، وهي:
- الجعفري، ويمثل 23% من المسلمين.
- الحنفي، ويمثل 31% من المسلمين.
- المالكي، ويمثل 25% من المسلمين.
- الشافعي، ويمثل 16% من المسلمين.
- الحنبلي، ويمثل 4% من المسلمين.
وأشير هنا إلى أن المذهب الجعفري — نسبةً إلى الإمام السادس من أئمة الشيعة الاثني عشر — يمثّل الرؤية والعقيدة القائلة بأن أهل البيت، أي عليًا وذريته، هم الخلفاء الشرعيون للنبي محمد (صلى الله عليه وسلم) في حكم العالم الإسلامي.
وكما ذكرت من قبل، عاش هؤلاء الأئمة جميعًا في أواخر الدولة الأموية، وفي عهدي الدولتين العباسية والفاطمية، وكانوا في وقت أو آخر في خدمة حكّام عصرهم وأداةً بأيديهم. وبعضهم، كالإمام مالك بن أنس، سُحب في شوارع بغداد مجرَّدًا من ثيابه وصودرت أمواله. والإمام الشافعي لقي حتفه في مصر.
وقد مُوِّل هؤلاء الأئمة وحظوا بدعم الحكّام عبر تمويل مدارسهم أو نشر كتبهم وغير ذلك من الحوافز المالية، وهو ما لا يختلف عن اليوم، حيث تستفيد المؤسسة الدينية الرسمية من المؤسسة السياسية.
وعاش معظم هؤلاء الأئمة، إن لم يكن جميعهم، في الفترة ما بين سنة 80 وسنة 700 للهجرة، وكان الإمام أبو حنيفة أولهم والإمام ابن حنبل آخرهم. ومنذ ذلك الحين أُغلق باب «الاجتهاد» إلى الأبد.
ومنذ ذلك الحين لم تبذل أي قيادة دينية — سواء في الأزهر أو مكة أو النجف أو قم — جهدًا للتجرّؤ على فتح هذه المذاهب التي يعود عمرها إلى قرون ومناقشتها؛ وهي مذاهب بدت وكأنها تحكم على الخطاب الفكري والعقدي بالجمود، ناهيك عن أن تعالج الأزمنة البائسة التي تعيشها الأمة الإسلامية: من الفقر إلى الأمية، إلى الجوع، إلى الحروب الطائفية، إلى الفساد، إلى حرمان النساء من حقوقهنّ، إلى العجز عن إقامة أنظمة ومؤسسات حكم ذات مصداقية وخاضعة للمساءلة تراعي تنوّع العقيدة والعِرق والثقافة الذي يجعل العالم الإسلامي مكانًا فريدًا، غنيًا ومُثرًى بتنوعه.
وعلى المرء أن يتساءل: ماذا حلّ بتلك الأفكار الثورية التي جاء بها النبي محمد (صلى الله عليه وسلم)؟ ولماذا لا يوجد لاهوت تحرير إسلامي ينطق باسم مئات الملايين، بل المليارات، من المسلمين المحرومين والممنوعين من أبسط حقوقهم في الحياة والحرية والكرامة؟ إن المؤسسة الدينية مشغولة بخدمة أسيادها، فأسقطت عن نفسها حق تمثيل «الأمة». وقد آن الأوان لأن نستأنف من حيث انتهى النبي محمد (صلى الله عليه وسلم)، وأن نحمل رايته في «لاهوت التحرير الإسلامي».
